الشنقيطي

185

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : لا تبيعوا الذّهب بالذّهب ، إلّا وزنا بوزن » « 1 » وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بعث أخا بني عديّ الأنصاريّ فاستعمله على خيبر ، فقدم بتمر جنيب ، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أكلّ تمر خيبر هكذا ؟ قال : لا واللّه يا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - إنّا لنشتري الصّاع بالصّاعين من الجمع ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لا تفعلوا ، ولكن مثلا بمثل ، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا ، وكذلك الميزان » « 2 » هذا لفظ مسلم في صحيحه . وفي لفظ لهما عن أبي هريرة وأبي سعيد أيضا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : استعمل رجلا على خيبر فجاء بتمر جنيب فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أكلّ تمرّ خيبر هكذا ؟ قال : لا واللّه يا رسول اللّه . إنّا لنأخذ الصّاع من هذا بالصّاعين ، والصّاعين بالثّلاثة ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « فلا تفعل بع الجمع بالدّراهم ثمّ ابتع بالدّراهم جنيبا » « 3 » والأحاديث بمثله كثيرة ، وهي نص صريح في تصريحه صلّى اللّه عليه وسلم بتحريم ربا الفضل بعد فتح خيبر . فقد اتضح لك من هذه الروايات الثابتة في الصحيح : أن إباحة ربا الفضل كانت زمن قدومه صلّى اللّه عليه وسلم المدينة مهاجرا ، وأن الروايات المصرحة بالمنع صرحت به في يوم خيبر وبعده ، فتصريح النبي صلّى اللّه عليه وسلم بتحريم ربا الفضل بعد قدومه المدينة بنحو ست سنين وأكثر منها ، يدل دلالة لا لبس فيها على النسخ ، وعلى كل حال فالعبرة بالمتأخر ، وقد كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث ، وأيضا فالبراء وزيد رضي اللّه عنهما كانا غير بالغين في وقت تحملهما الحديث المذكور عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، بخلاف الجماعة من الصحابة الذين رووا عنه تحريم ربا الفضل ، فإنهم بالغون وقت التحمل . ورواية البالغ وقت التحمل أرجح من رواية من تحمل وهو صبي ، للخلاف فيها دون رواية المتحمل بالغا وسن البراء وزيد وقت قدومه صلّى اللّه عليه وسلم المدينة ، نحو عشر سنين ؛ لما ذكره ابن عبد البر عن منصور بن سلمة الخزاعي : أنه روى بإسناده إلى زيد بن جارية أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم استصغره يوم أحد ، والبراء بن عازب ، وزيد بن أرقم ، وأبا سعيد الخدري ، وسعد بن حبته ، وعبد اللّه بن عمر . وعن الواقدي أن أول غزوة شهداها الخندق ، وممن قال : بأن حديث البراء وزيد منسوخ ، راويه الحميدي . وناهيك به علما واطلاعا . وقول راوي الحديث : إنه منسوخ ، في كونه يكفي في النسخ . خلاف معروف عند أهل الأصول ، وأكثر المالكية والشافعية لا يكفي عندهم . فإن قيل : ما قدمتم من كون تحريم ربا الفضل واقعا بعد إباحته ، يدل على النسخ في حديث البراء وزيد ، لعلم التاريخ فيهما ، وأن حديث التحريم هو المتأخر ، ولكن أين لكم معرفة ذلك في حديث أسامة ؟ ومولد أسامة مقارب لمولد البراء وزيد ؛ لأن سن أسامة وقت وفاته صلّى اللّه عليه وسلم عشرون سنة ، وقيل : ثمان عشرة ،

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في المساقاة حديث 91 . ( 2 ) أخرجه : البخاري في الاعتصام بالكتاب والسنة حديث 7351 ، ومسلم في المساقاة حديث 94 . ( 3 ) أخرجه : البخاري في البيوع حديث 2201 و 2303 ، ومسلم في المساقاة حديث 95 .